أقسام الموقع

من روائع الكلم

"والآن نحن تيسَّر لنا فهم ما يجري في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، والكلمة يمكن أن تصل في لحظة خروجها من لسان أحدنا إلى أقاصي الأرض، فعلى هذه الأمة أن تدرك واجبها تجاه هذا الأمر، وأن تحرص على نشر هذا الفكر الصحيح، فكر أهل الحق والاستقامة الذي يمثِّل حقيقة الإسلام وجوهره؛ من أجل انتشال الأمة من الضياع الذي سببته تراكمات الأفكار المنحرفة عن جادة الحق، ومن أأأأجل انتشال هذه الإنسانية الضائعة وإرشادها إلى الطريق القويم؛ لتبني حضارتها على أسس سليمة من الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام-". سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي

إشراقة إباضية

  يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - حرسه الله تعالى -:"وإذا كنتُ أكره شيئًا من التاريخ، فإنني أكره ذلك التاريخ، تاريخ الفتنة العمياء التي نجمت بين أصحاب رسول الله  r، وأدت إلى تفرُّق هذه الأمة أشلاء ممزقة، حتى طمع فيها عدوها، ولو كان بالإمكان محو هذه الدمغات السوداء من صحائف التاريخ ومن أذهان الناس لفعلتُ؛ لتعود الوَحدة بين هذه الأمة ، ولكن أنَّى لي أن أعمل ذلك، فالقدر قد كتب ما كتب، والله - سبحانه وتعالى - لا رادَّ لحكمه، ولا معقِّب له، وكل ما يحدث في هذا الوجود إنما هو بقضاء وقدر منه - سبحانه وتعالى -"

مؤسس المذهب الإباضي

يُعدُّ الإمام جابر بن زيد المؤسس الحقيقي والأب الروحي للمذهب الإباضي، فقد كان التنظير الحقيقي لمبادئ المذهب على يديه t، وكان مفتي الإباضية وفقيههم، ففقه المذهب راجع إليه، وفقهه استقاه من البحر الزاخر ابن عباس، وكان عبدالله بن إباض يستمد الآراء والأفكار من ينابيع جابر بن زيد العماني، حيث اتصف الإمام جابر بالمكانة العلمية المرموقة والرتبة العالية بين أتباعه؛ ولهذا جعلوه إمامًا لهم، ومنظِّمًا لحركتهم، وقد اقتضت الظروف وقتذاك اللجوء إلى السرية؛ خوفًا من بطش ولاة بني أمية، وخوفًا على الدعوة من أن يقضى عليها، مستخدما أسلوب التقية الدينية، ولذلك أقاموا عبدالله بن إباض مبيِّنًا للناس المبادئ السمحة لهذه الدعوة، حتى لا يفهمها الناس على غير حقيقتها. وقد تضافرت عدة جهود ومجموعة من العوامل وتكامل عدد من المواقف، وبروز مجموعة من الشخصيات، أسهمت في نشأة المذهب الإباضي، فلولا مواقف أبي بلال، وقيادة جابر بن زيد وظهور عبدالله بن إباض، وحنكة أبي عبيدة، ومساعي حملة العلم لما وصل المذهب الإباضي إلى ما وصل إليه من البروز والانتشار، فلكل منهم مواقفه التي بذلها، وأعماله التي خدم بها المذهب، غير أنه من الثابت لدى علماء الإباضية أن المؤسس الحقيقي للمذهب ومقعِّد فكره، ومبرز منهجيته هو الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني.

أهم أئمة المذهب الإباضي

قام المذهب الإباضي منذ نشأته على أيدي رجاله الذين جاهدوا وسعوا من أجل إبرازه للعيان، حيث برزت عدة شخصيات أسهمت في مجال الدعوة الإباضية، وكان من أبرز هؤلاء ثلاثة أعمدة من رجاله، يذودون عن حياضه، وينشرون أفكاره، ويشيعون مبادئه، وبعد هؤلاء الثلاثة أتى من بعدهم من أتباعهم، حيث ساروا سيرتهم، وانتهجوا نهجهم إلى يومنا هذا، وهؤلاء الثلاثة هم كالآتي حسب درجة مكانته، وأثره في تأسيس المذهب: الأول: الإمام جابر بن زيد هو الإمام الجليل التابعي جابر بن زيد الأزدي العماني الجوفي البصري، ويُكنَّى بأبي الشعثاء بابنته الشعثاء، ولد في بلدة فرق من ولاية نزوى في محافظة الداخلية من عمان، وكانت سنة مولده (18 -22) للهجرة في خلافة عمر بن الخطاب t، وقد نشأ جابر بن زيد في عمان، وتلقى المرحلة الأولى من تعليمه في وطنه الأصلي عمان، ثم ارتحل مع أسرته إلى البصرة التي كانت في ذلك الوقت أهم مركز علمي، واستقر بين أقاربه من الأزد الذين سكنوا أحد أحياء البصرة. اتصف الإمام جابر بن زيد بحميد الصفات وطيب الشمائل، فقد كان زاهدًا متقشفًا مترفعًا عن مباهج الدنيا، وكان تقيًّا متواضعًا ورعًا يخشى الله ويؤثر الدار الآخرة على الحياة الفانية، وكان - رحمه الله تعالى- كثير العبادة. وبعد أن استقر الإمام جابر في البصرة أخذ يطلب العلم؛ لكون البصرة تحتضن أئمة العلم وقادة الدين، وقد تتلمذ على أيدي كبار الصحابة منهم: عبدالله بن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم -، وكان يقول عن نفسه:" أدركتُ سبعين بدريًّا فحويتُ ما عندهم إلا البحر" أي: ابن عباس، وأصبح ذا مكانة علمية مرموقة، تصدَّر المجالس العلمية، وأفتى الناس في دينهم، وقد شهد له العديد من الصحابة والفقهاء والعلماء بسعة علمه، ومنهم شيخه ابن عباس حيث يقول:" اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه"، وكان جابر يترك رأيه ويقدِّم رأي شيخه ابن عباس حيث يقول:" ولولا قول ابن عباس لكان القول كذا". وكان جابر بن زيد يجلُّ آراء الصحابة أيما إجلال، ويقدِّمها على آرائه؛ اعترافًا بمكانتهم، وفضل صحبتهم لنبينا محمد r حيث يقول:" ورأي من قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى، لم يزل الآخر يعرف للأول فضله، وكانوا أحق بذلك من المهاجرين مع رسول الله r والتابعين لهم بإحسان، فقد شهدوا وعملوا، فالحق علينا وطء أقدامهم، واتباع آثارهم". ولم تخلُ كتب الحديث المشهورة من رويات للإمام جابر بن زيد فقد روى له البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، فقد بلغت الروايات التي رويت في هذه الكتب للإمام جابر بن زيد تسع وثمانين رواية، وكذلك كتب التفسير كالجصاص وغيره من قدماء المفسرين. وقد تأثر الفقه الإباضي بفقه ابن عباس إلى حد كبير؛ نظرًا لارتباط الإمام جابر بشيخه ابن عباس، وتكونت حول الإمام جابر بن زيد مجموعة، وتحلقت حوله حلقة من الرجال النبغاء، تأطر بهم المذهب الإباضي عقيدة وشريعة وفقهًا وسلوكًا، واتضحت معالمه، وقويت مفاصله. ومن تلامذته أبو بلال مرداس بن حُدير، وعبدالله بن إباض الذي تولى قيادة المذهب الإباضي العلنية بالدفاع عنه، وأبو عبيدة مسلم بن كورين (أبي عبيدة) التميمي، وسلمة بن سعد الحضرمي الذي تولى نشر أفكار المذهب في المغرب العربي، وقتادة شيخ الإمام البخاري صاحب كتاب صحيح البخاري، وغيرهم من التلاميذ. وتوفي الإمام جابر - رحمه الله تعالى - سنة (93 هـ)، بعد أن ترك أثرًا بارزًا لجهوده حيث أسس المذهب الإباضي، ومرجعه في ذلك كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد r متحملًا في ذلك المصاعب والمتاعب، وما لحقه في سبيل دعوته من إيذاء وظلم ولاة بني أمية، حيث أظهر الحق، وأنكر المنكر، وهو الرجل الأول في المذهب الإباضي، واشتغل بأمر الإصلاح والدعوة والفُتيا، وله آثاره العلمية التي بقيت شاهدة له إلى الآن على غزارة علمه وسعة مداركه، وسيرة حسنة وثناء طيبًا، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته.

أهم أئمة المذهب الإباضي2

الثاني: الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أبو عبيدة مسلم بن كورين (أبي كريمة) التميمي بالولاء، ولد بالبصرة وعاش بها، وولادته كانت في حدود سنة (45هـ)، ويُكنى بابنته عبيدة التي كانت من أهل العلم، وتوفي - رحمه الله تعالى - في حدود سنة (145ه-762م)، عاش فقيرًا، اشتهر بالقفَّاف؛ لأنه كان يشتغل بصنع القفاف ويقتات عليها، وهي حرفة حرة شريفة، سياسي محنك، وعالم جليل، من أتباع الإمام جابر بن زيد. وهو القائل:" كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، فلولا أن الله تعالى مَنَّ علينا بجابر بن زيد لضللنا". اشتهر بالتقوى والورع والزهد، ويُعدُّ الرجل الثاني في المذهب بعد الإمام جابر، حيث تولى قيادة المذهب بعد موت الإمام جابر، وأخذ العلم عمن لقيه من الصحابة، وهم كثيرون، وأكثر ما أخذ عن الإمام جابر بن زيد، وأخذ عن جعفر بن السمَّاك العبدي، وهو السلسلة الثالثة من سلاسل مسند الإمام الربيع الذهبية، وتولى التدريس وقيادة الدعوة الإباضية بعد الإمام جابر، فأخذ العلم عنه خلق كثير رغم ما ابتُلِيَ به من الرقابة المشددة والمضايقة المتواصلة من قِبَل السلطة الأموية، وممن أخذ عنه العلم الإمام الربيع بن حبيب، وكان يقوم بالتدريس في سرداب؛ متسترًا عن أعين الحجاج وأعوانه، وكان يعقد مجالس العلم لأهداف من بينها إعداد الدعاة الذين كان يرسلهم إلى الأمصار الإسلامية - حضرموت، وعمان، والمغرب العربي -؛ من أجل نشر المذهب الإباضي فيها، وهؤلاء عُرِفوا فيما بعد بحملة العلم. وعرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها السياسية في المشرق والمغرب، وفي عهده تحولت الدعوة من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور على الميدان في حكم يواجه جبابرة الظلم من ولاة بني أمية.  

أهم أئمة المذهب الإباضي3

الثالث الإمام الربيع بن حبيب الإمام الحافظ المحدِّث أبو عمرو الربيع بن حبيب بن راشد الفراهيدي العماني مولدًا البصري إقامة، ولد سنة (80هـ) أو قبلها بقليل في منطقة الباطنة من عمان، وبعد أن أخذ بعض المبادئ على يد والده الشيخ حبيب بن عمرو ومشايخ عمان رحل إلى البصرة سنة (90هـ)، حيث سكن في البصرة، وتتلمذ هناك على يد كبار التابعين، بقي فترة طويلة هناك إلى أن رجع إلى عمان في آخر حياته. ومن شيوخه الكبار كما يذكر عن نفسه: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الرجل الثاني في المذهب الإباضي بعد الإمام جابر بن زيد، وضُمام بن السائب الأزدي الندبي العماني، وأبو نوح صالح بن نوح الدهان، حيث يقول عن نفسه:" إنما حفظت الفقه عن ثلاثة: أبي عبيدة، وضمام، وأبي نوح". وحمل العلم عن الإمام الربيع عدد كبير من الطلبة منهم: أبو سفيان محبوب بن الرحيل، وموسى بن أبي جابر الأزكوي، وبشير بن المنذر النزواني، ومنير بن النير الجعلاني، وغيرهم من العلماء. وقد ترك الإمام الربيع آثارًا علمية منها ما دوَّنه بنفسه ومنها ما كتبه تلامذته، ومن بين تلك الآثار: المسند، وهو روايته عن شيخه أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - وهو مُعتَمد الإباضية في الحديث، كما يعتمدون على كل ما صحَّ عن نبينا محمد r من الحديث عند غيرهم، ولكن مسند الربيع يعدُّونه أصح كتاب بعد القرآن الكريم، وترك كتابًا في العقيدة، وآراءه وأجوبته الفقهية وغيرها. وبعد وفاة الإمام أبي عبيدة لم يجد الإباضية خيرًا من الإمام الربيع بن حبيب لتوليته منصب الإمامة والقيادة، إذ كان يتصف - رحمه الله تعالى - بصفات أهَّلته ليكون إمامًا وقائدًا، حيث اتسم بالورع والعلم وحسن السياسة، وهو الرجل الثالث في المذهب الإباضي بعد الإمامين جابر بن زيد وأبي عبيدة. وتوفي الإمام الربيع - رحمه الله تعالى - في بلدة غضفان على ساحل عمان حوالي سنة (175هـ)، بعد حياة قضاها إمامًا وقائدًا وداعيًا وموجهًا ومرشدًا، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته.